بعد نحو ستة أشهر من اندلاع المواجهة مع طهران، أعلنت الإدارة الأمريكية عن إطلاق حملة واسعة تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي" . وجاء هذا الإعلان عبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، متزامنا مع تهديدات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بعدم استبعاد استئناف القصف. هذا المزيج من التصعيد المالي والتهديد العسكري يضع المنطقة برمتها والعالم أمام مرحلة صعبة ومعقدة في صراع مفتوح على كل الاحتمالات .
ومن خلال هذه الحزمة الجديدة من العقوبات ، تراهن واشنطن على قطع أي متنفس أمام الاقتصاد الإيراني وعزل طهران عن النظام المالي العالمي القائم على الدولار، مستهدفة شبكات الشحن والشركات المرتبطة بها مثل "ويلبريد كابيتال". غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع استراتيجي ، فقد أثبت تاريخ العقوبات ان طهران خبرت أقسى وأعمق العقوبات على مدار خمسة عقود، ولكنها طورت عبر سنوات من الحصار منظومة متكاملة لمواجهة القيود المالية، معتمدة على شركاء رئيسيين وفي مقدمتهم الصين وروسيا.
وفي الحقيقة فان تاريخ العقوبات الأمريكية ضد طهران يؤكد بأنها لم تكن سوى قوة دفع لابتكار العديد من الصناعات العسكرية الحيوية محلية الصنع وتطوير البحوث العلمية الذاتية، مما جعل المؤسسة العسكرية الإيرانية أقل تأثرا بالحصار التقليدي.
وفي ردها على الحزمة الجديدة، أكدت الحكومة الإيرانية على لسان وزير اقتصادها أن استراتيجيتها لن تقتصر على الدفاع فحسب، بل ستتخطاها نحو خيارات هجومية لإرباك خطط الخصم بالتوازي مع تهديدات الحرس الثوري باستهداف ممرات الطاقة.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب -التي تتأرجح في تصريحاتها بين إنكار أعباء هذه الحرب غير الحاسمة والبحث عن أسلحة أخرى لخنق النظام الإيراني - تحاول الهروب إلى الأمام عبر تشديد الخنق الاقتصادي بانتظار استحقاقات سياسية داخلية وتحديدا بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي القادمة في 3 نوفمبر 2026، والتي تُمثل محطة سياسية حاسمة لتحديد موازين القوى في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية الثانية للرئيس.
جاء لجوء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حملة "عملية المنبوذ الاقتصادي" لعدة أسباب جوهرية وميدانية، في مقدمتها تعثر الخيارات العسكرية فقد فشلت الضربات وقرارات الحصار الجوي والبحري في تحقيق أهدافها السريعة ، مثل إسقاط النظام أو إجبار طهران على الاستسلام التام وتغيير برنامجها النووي دون شروط.
علاوة على ذلك ، عجزت القوات الأمريكية عن استعادة الانسيابية الكاملة لحركة الملاحة وفتح مضيق هرمز بالشكل المطلوب، حيث واصلت طهران التحكم بأمن الممر المائي وتهديد ناقلات النفط، مما أبقى أزمة الطاقة العالمية مشتعلة وضاغطة على الأسواق وأسعار النفط العالمية.
لذلك ترى الإدارة الأمريكية أن الضغط المالي المدمر وتوسيع العقوبات الثانوية ليشمل أي دولة أو جهة تتعامل تجاريا مع طهران هو الورقة المتاحة والأقل كلفة بشريا وسياسيا مقارنة بتورط أوسع في حرب استنزاف عسكرية مباشرة.
وفيما يتعلق بالداخل الأمريكي ، فان هذا القرار يتعلق بالمشهد السياسي في الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث يواجه الحزب الجمهوري خطرا حقيقيا يفقد من خلاله سيطرته على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ. ولا يعود هذا التراجع المحتمل إلى عامل واحد، بل هو نتاج تداخل أزمات متعددة تشمل تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، وتزايد القلق الشعبي الحاد بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة ، فضلا عن تداعيات الحرب المستمرة مع إيران وانعكاساتها المباشرة على أسعار الطاقة. وبينما يتمسك الديمقراطيون بتقدم ملحوظ في استطلاعات الرأي العام والتصويت الشعبي العام، يبقى الحزام الانتخابي وتنافسية الدوائر الفردية هي الفيصل الحقيقي الذي يحدد ما إذا كانت هذه المؤشرات ستترجم فعليا إلى تغيير جذري في خريطة السلطة بالكونغرس.
وتشير التقارير الإعلامية والتحليلية -مثل ما نقلته وكالات مثل أكسيوس والغارديان- إلى وجود ارتباط وثيق بين التوقيت السياسي الانتخابي الحساس والتحولات نحو الضغط الاقتصادي ضد طهران . فإدارة ترامب تتخوف من التداعيات السياسية لاستمرار هذه الحرب المكلفة وغير الحاسمة قبيل الاستحقاقات الانتخابية للكونغرس، بما قد يضر بحظوظ الحزب الانتخابية.
وتشير التقارير إلى أن العقوبات الموسعة والضغط المالي قد يشكلان مسارا للتحرك الأمريكي ضد طهران لما بعد انتخابات الكونغرس، وهو التوقيت الذي قد تدرس فيه الإدارة إمكانية العودة لتفعيل الخيار العسكري المباشر بحرية أكبر إذا فشلت العقوبات في تحقيق أهدافها.
كما تسعى الإدارة الامريكية لتقديم إنجاز اقتصادي سريع للناخب الأمريكي تحت عنوان "الانتصار المالي" لإلهاء الرأي العام عن تعثر حسم الحرب عسكريا، واستغلال ذلك كرسائل دعائية قوية خلال الحملات الانتخابية.
ومن شأن هذه العقوبات الجديدة ان تلقي بثقلها على الشركاء التجاريين لطهران . وتأتي الصين في مقدمة الشركاء المتأثرين بحكم استحواذها على الحصة الأكبر من التجارة الخارجية الإيرانية، في حين سارعت الامارات الى اتخاذ خطوات استباقية قبل أيام بقطع علاقاتها المالية والتجارية مع إيران تفاديا للضغوط. كما يمتد هذا الانكشاف الاقتصادي ليطال دول الجوار الإيراني مثل تركيا والعراق وباكستان نظرا لحجم التبادل الضخم. وكذلك تمتد التأثيرات لتشمل روسيا التي تنشط تجاريا مع طهران عبر بحر قزوين والذي يعد ممرا استراتيجيا وآمنا للتجارة بديلا عن الممرات الأخرى زمن الحرب. وتطال التأثيرات كذلك الهند المتمسكة باستيراد النفط الإيراني لضمان أمن طاقتها، وصولا إلى تأثر شركاء آخرين مثل ألمانيا وبعض الدول الآسيوية. وتجد هذه الدول نفسها مجبرة على الموازنة بين مصالحها مع طهران وتجنب الصدام المباشر مع واشنطن، وسط تصاعد المخاوف من ارتدادات هذا الحصار المالي على أسواق الطاقة العالمية.
وتدرك واشنطن أن الذهاب بعيدا في معاقبة الصين -كشريك تجاري هام لطهران -يحمل مخاطر كارثية على النظام المالي العالمي بأسره، وهو ما يفسر الإحجام المؤقت لوزير الخزانة عن فرض أقسى العقوبات الفورية على البنوك الصينية الكبرى. وفي المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها، داعية الأطراف الى ضبط النفس ومعتبرة أن سياسات الضغط لا تحل الأزمات.
وتجدر الإشارة الى ان الصين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني وبلغ متوسط مشترياتها نحو 1.4 مليون برميل يوميا العام الماضي قبل أن يتراجع الى نحو 823 ألف برميل يوميا في جويلية الماضي بسبب أزمة هرمز وذلك وفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة السفن .
وفي خضم كل ذلك ، يظل خيار العودة لحرب عسكرية مباشرة قائما وليس مستبعدا تماما، خصوصا مع إصرار البنتاغون على الاحتفاظ بحق ضرب مضيق هرمز ومحيط إيران متى اقتضت الضرورة.
وفيما يتعلق بمآل التهدئة ، تواصل الدبلوماسية الإقليمية تحركاتها حيث تقود إسلام آباد وساطة مكثفة برزت مؤخرا عبر المباحثات التي أجراها قائد الجيش الباكستاني في طهران، والتي أحرزت -وفق مصادر عسكرية- تقدما كبيرا يستهدف منع الانزلاق نحو تصعيد أوسع وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. ومع ذلك تبقى هذه الجهود محاصرة بتعقيدات الميدان وموازين القوى ومعادلاتها وشروط أطراف الصراع المتعلقة بأمن المضيق ، مما يبقي قرار المواجهة العسكرية معلقا بانتظار ما يجري وراء البحار في واشنطن من تحولات انتخابية وسياسية خلال الفترة القادمة ، وكذلك ما ستسفر عنه الأيام المقبلة في مياه الخليج المشتعلة.